اللغة : الأصل والتواصل والاتصال

 

         اللغة : الأصل والتواصل والاتصال .

 

1 ـ الأصـــل :

  أ ـ في التأصيل عامة :

اللغة باعتبارها ملكة وقدرة طبيعية على النطق المعبر ظاهرة إنسانية باتفاق . إنها مما يميز الكائن البشري عن بقية المخلوقات ، وهي ملازمة للإنسان مذ خلق . وتبعا لذلك كان أن تناولها العقل ، خصيصة الإنسان الثانية ، بالتدبر والبحث ومحاولة الإدراك والفهم .

وكان البحث في أصل اللغة من أول ما اتجه إليه النظر فانشغل به التدبر العقلي الإنساني منذ زمن قد لا يكون من اليسير تحديده بدقة ،إذ ليس بيد الباحث الجاد إلا اعتماد الوثيقة ،وما هي بالمتوفرة دوما.

وتثبت الوثائق المؤكدة الدالة أن الانشغال بالبحث في أصل اللغة وتدبره عقليا قد اتخذ في البداية منحى غيبيا خرافيا وأسطوريا إذ قال المؤرخ اليوناني هيرودوت إن ملك مصر عزل وليدين ولما بلغا سن النطق كانت أول كلمة نطقا بها هي ” بيكوس ” وتعني ” الخبز ” باللغة الفريجية وليست كلمة مصرية . وغايته من ذلك دون شك القول بأن اللغة الفريجية هذه هي اللغة الأصل الطبيعية للإنسان …

ثم جاءت الديانات السماوية لتوجه النظر وجهة أخرى أساسها البحث في اللغة الأصل أو اللغة الأم بعد التسليم بأن للغة أصلا واحدا هو أصل إلاهي إذ جاء في أسطورة بابل التوراتية الإنجيلية أن الناس كانوا يتكلمون لغة واحدة هي العبرية ثم عاقبهم ربهم لما أرادوا التحدي فبلبل ألسنتهم حتى ينعدم التفاهم بينهم فتعددت لذلك الألسن .

أما النظر العقلي إلى المسألة فقد كانت بدايته عند اليونان وانقسم فيه الفلاسفة قسمين . أولهما الوضعيون naturalistes ـ ـ وهم الذين قالوا بالأصل الطبيعي للغة ، والثاني المواضعيون ـ conventionalistes ـ ويرجعون أصل اللغة إلى المواضعة والاتفاق …

وكانت المحاولة الثانية عند العرب، وجاءت مواقف العلماء عندهم على سمت فلاسفة اليونان، إذ قال فريق منهم بالتوقيف وعللوا موقفهم بتأويلهم الآية ” وعلم آدم الأسماء كلها”  وكانوا قلة ، وقد أورد ابن حزم أقوالا عديدة محتجة لهذا الرأي منها :”…والصحيح من ذلك أصل الكلام توقيف من الله عزّ وجلّ لحجة سمع وبرهان ضروري. فأما السمع فقول الله عزوجل  ” وعلم آدم الأسماء كلها” ثم عرضهم على الملائكة ”  وأما الضروري بالبرهان فهو أنّ الكلام لو كان اصطلاحا لما جاز إلا أن يصطلح عليه إلا قوم قد كملت أذهانهم وتدربت عقولهم وتمت علومهم … وكل إنسان فقد كان في حالة الصغر التي ذكرنا من امتناع الفهم والاحتياج إلى كافل . والاصطلاح يقتضي وقتا لم يكن موجودا قبله لأنه من عمل المصطلحين . وكل عمل لابد من أن يكون له أول فكيف كانت حال المصطلحين على وضع اللغة قبل اصطلاحهم عليها ، فهذا من الممتنع المحال ” 1.

أما أغلب علماء العربية فقد كانوا يقولون بالمواضعة ومنهم ابن جني إذ قال :” غير أنّ أغلب أهل النظر على أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحي وتوقيف “. وفسر الآية المذكورة بأن المعنى فيها هو أنّ الله ” أقدر آدم بأن واضع عليها “2.

وأما أوروبا فقد تسربت إليها الأسطورة البابلية في القرون الوسطى، واستمر تأثيرها هناك حتى القرن الثامن عشر. وتعطل بذلك التفكير العقلي في المسألة قرونا عديدة …

وكان من الطبيعي أن تنسل من هذه الإشكالية الأساسية مسائل فرعية تقتضي النظر والتدبّر،ومنها دون شك مسألة ظاهرة تعدد الألسن . وهي المسألة ذاتها التي أحدثت الاضطراب في منهج ابن حزم الظاهري حتى قال :” إننا لاننكر اصطلاح الناس على إحداث لغات شتى بعد أن كانت لغة واحدة وقفوا عليها ، بها علموا ماهية الأشياء وكيفياتها وحدودها . ولا ندري أي لغة هي التي وقف عليها آدم عليه السلام أولا … وقد قال قوم هي السريانية وقال قوم هي العبرانية وقال قوم هي العربية …وإذ قد تيقنّا ذلك فالسريانية أصل للعربية والعبرانية معا … ولسنا نقطع على أنها اللغة التي وقف الله عليها أولا . ولا ندري لعل قائلا يقول لعل تلك اللغة قد درست البتة وذهبت بالجملة أو لعلها إحدى اللغات الباقية لا نعلمها بعينها …وقد يمكن أن يكون الله تعالى وقف آدم على جميع اللغات التي ينطق بها الناس كلهم الآن ، ولعلها كانت حينئذ لغة واحدة مترادفة الأسماء على المسميات ثم صارت لغات كثيرة إذ توزعها بنوها بعد ذلك . وهذا هو الأظهر عندنا والأقرب .إلا أننا لا نقطع على هذا كما يقطع على أنه لا بد من لغة واحدة وقف الله عليها . ولكن هذا هو الأغلب ،نعني أنّ الله وقف على جميع هذه اللغات المنطوق بها ” 3

وكان لابد كذلك عند القول بالاصطلاح والمواضعة من طرح مسألة كيفية حدوث تلك المواضعات. وقد أثار ابن جني هذه المسألة أيضا بأن قال : ” ثم لنعد فلنقل في الاعتدال لمن قال بأنّ اللغة لا تكون وحيا . وذلك أنهم ذهبوا إلى أنّ أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة ،قالوا :” ذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء المعلومات فيضعوا لكل واحد منها سمة ولفظا… فأيّ وقت سمع هذا اللفظ علم أنّ المراد به هذا الضرب من المخلوق …ثم لك من بعد ذلك أن تنقل هذه المواضعة إلى غيرها…” 4

ولما تناول فخر الدين الرازي المسألة بالنظر والمواقف والأحكام بالتحليل بان له أنّ حظ الأدلة في منشأ اللغات عند الجماعة التكافؤ ، ولا يمكن بالتالي ترجيح أي واحد منها على سواه. فقال في المسألة الثلاثين :” لا يمكننا القطع بأنّ دلالة الألفاظ توقيفية ومنهم من قطع به واحتج فيه بالعقل والنقل . أما العقل فهو أنّ وضع الألفاظ المخصوصة للمعاني المخصوصة لا يمكن إلا بالقول . فلو كان ذلك القول بوضع آخر من جانبهم لزم أن يكون كل وضع مسبوقا بوضع آخر لا إلى نهاية . وهو محال فوجب الانتهاء إلى ما حصل بتوقيف الله تعالى. وأما النقل فقوله تعالى :”وعلم آدم الأسماء كلها ” . وأجيب عن الأول بأنه لم لا يجوز أن يكون وضع الألفاظ للمعاني يحصل بالإشارة ؟ وعن الثاني لم لا يجوز أن يكون المراد من التعليم الإلهام ؟ وأيضا لعل هذه اللغات وضعها أقوام كانوا قبل آدم عليه السلام ثم إنه تعالى علمها لآدم عليه السلام “.

وفي المسألة الثانية والثلاثين صرح بحكمه الذي لا حسم فيه لأنّ الرأي مجاله الجواز لا الإقرار إذ قال :” لما ضعفت هذه الدلائل جوزنا أن تكون كل اللغات توقيفية وأن تكون كلها اصطلاحية وأن يكون بعضها توقيفيّا وبعضها اصطلاحيّا .”5

وكان الغزالي حاسما في رأيه صارما في حكمه عندما رأى أنّ الخوض في مسألة مبدأ اللغات فضول ولا أصل له. فحكم بأنّ ” الواقع من هذه الأقسام فلا مطمع في معرفته يقينا إلا ببرهان عقلي أو بتواتر خبر أو سمع قاطع ، ولا مجال لبرهان العقل في هذا ولم ينفل تواترا ولا فيه سمع قاطع فلا يبقى إلا رجم الظن في أمر لا يرتبط به تعبد عملي ولا ترهق لاعتقاده حاجة ، فالخوض فيه إذن فضول لا أصل له .” 6

ويبدو لنا أنّ هذا الرأي لئن كان مما يستساغ في سياقه فهو ليس كذلك عند من اتخذ اللسانيات مشغلا لأن مثل هذه المسائل تقع في صلب ما اهتم به من اهتم به علماء اللسان من بعض أوجهه وفروعه وليس أقلها مسألة اعتباطية الدلالة …

ب ـ أصل العربية :

لا بد من الإقرار بدءا أنّ البحث في أصل أي لسان من الألسنة القديمة الضاربة في التاريخ هو أمر عسير ويكتنفه الكثير من المآزق والمزالق والمخاطر. ويزداد الأمر عسرا إذا كان اللسان المعني ملتبسا تمام الالتباس بالمسألة العقدية شأن اللسان العربي . ونقر بذلك لأن القول في اصل العربية تتعدد فيه المواقف والأصوات والأحكام . ولاشك في أنّ سبب ذلك عدم الإلمام بكل الوثائق الداعمة وتحليلها والنظر فيها بنهج علمي صارم ودقيق .. ومن شروط البحث العلمي الاعتماد على الآثار والوثائق المكتوبة أولا.ونعتقد أنّ إجمال ذلك قد قام به واضعوا “الدليل المرجعي في إنشاء قاعدة الألكسو لبيانات اللغة العربية “.7

وقد أثبت بكل احتراز ـ إلى حد الآن ـ أن اللسان العربي الفصيح يعود إلى القرن الخامس الميلادي ،وأن ما سبقها هي لهجات عربية مثل الثمودية واللحيانية والدادانية والحسانية والصفاوية أثناء القرون الخمسة الأخيرة قبل الميلاد وعربية إيوا في بدايات العهد الميلادي.

وأما في مجال التوثيق فيرى واضعوا هذا الدليل أنّ أقرب نقش إلى العربية الفصحى هو نقش النمارة المعروف بنقش إمرىء القيس ثاني ملوك اللخميين ، وقد حكم بين سنتي 295و328م وعثر على هذا النقش سنة 1901م في جبل الدروز جنوب سوريا . وتشير بعض المصادر إلى وجود نقائش أخرى لا تقل أهمية عنه بالقطر السوري أيضا . ويعود تاريخ نقش إمرىء القيس المذكور إلى سنة 328م , وقد تبين أن نصه قريب جدا من العربية الفصحى المعلومة مما يمكن من احتمال أنّ تلك اللهجة أصبحت لغة في القرن الرابع الميلادي ، غير أنّ هذا الاستنتاج يبقى محدودا إذا عرض على المعلوم من منهج علماء اللغة في ضبط معجم العربية الذي وصفه الفارابي خاصة في كتاب الحروف ـ 487 ـ 950 م حيث حدد القبائل التي كان يطمأن إلى أخذ اللغة الفصيحة عنها وهي أساسا التي تقطن وسط الجزيرة العربية . وبذلك يكون النقش المعني شاهدا وعلامة على العربية عند امتدادها إلى بلاد الشام والعراق في القرن الرابع الميلادي أكثر من أنه دليل على حقيقة العربية الفصحى . وهو بذلك شاهد على نظام الخط العربي أكثر من دلالته على حقيقة اللسان العربي…

ويرجح أصحاب قاعدة البيانات اعتمادا على اسقراء تاريخ الألسن الذي يكون نسقه بين 7و10 قرنا ، أنّ نشأة العربية يمكن إرجاعها إلى ما بين القرنين التاسع والسادس قبل الميلاد ثم كان انتشارها ودعمه خاصة ظهور الإسلام إذ رافقت اللغة انتشاره بشكل طبيعي إلى حيث هي الآن …

ورغم أهمية هذه النتائج يبقى في اعتقادنا هذا الأمر مفتقرا إلى الدقة والحكم الجازم ما لم يتوفر المزيد من الأدلة وما لم يحسم خاصة موضوع كيفية حدوث اللغة أصلا وهو ما قد يستحيل إثباته والاطمئنان إلى ما يقال فيه .

2 التواصل :

إنّ المقصود بالتواصل هنا هو النظر في علاقة اللسان العربي بغيره من الألسن الطبيعية. فالتواصل من تواصل على وزن تفاعل الذي أهم معانيه المشاركة . أما الاتصال في العنصر الموالي فهو من اتصل على وزن افتعل حيث يعود الفعل على فاعله فيكون المقصود هو النظر في شروط استمرار اللسان وجودا وحماية من الموت والتلاشي .

وإذا كان أمر تحديد منشأ اللغة ،أيّ لغة، يبقى غير دقيق ومحدد إلى الآن. وهو رهين بمدى تطور العلوم جميعها والانتربولوجيا خاصة ، فإنّ البحث في مسألة التواصل يعد أيسر باعتماد مبادئ اللسانيات المقارنة وما حققته علوم اللسان عامة والمعجمية خاصة من عمق وتطور.

فالتواصل بين الألسن يعد ظاهرة طبيعية ما دامت هي باتفاق من الكائنات الحية ولابد لكل كائن من تفاعل مع سواه مما له به صلة واتفاق.فلا مجال للقول إنّ لسانا يوجد منذ البدء مكتملا مكتفيا بذاته منغلقا دون سواه . فكل لسان هو في الحقيقة جمع لألسن أو لهجات تم تجاورها وانصهارها.

ويعتبر اللسان العربي من أقدر الألسن على التفاعل والإفادة من سواه طبيعيا ماضيا وحاضرا ومسقبلا لما يتميزبه من خاصية اشتقاقية تساعده على استجلاب اللفظ من سواه وإخضاعه لبناه الصرفيه الخاصة ثم اشتقاق صيغ متعددة منه لأداء مختلف المعاني التي يحددها علماء الصرف والتصريف …

ويؤكد التاريخ المعلوم للعربية صحة هذا الرأي إذ نجد في أقدم النصوص الإبداعية التي وصلتنا من الألفاظ غيرعربية الأصل عددا غير قليل ، ومثاله ما جاء في معلقة امرئ القيس من وصف للعبة الشطرنج فارسية الأصل بمختلف مصطلحاتها إذ قال :

ولاعبتها الشطرنج خيلي ترادفت        ورخي عليها طاح بالشاه  على عجل

فقالـت وما هذا شطـارة لاعـــب         ولكن قتل الشـــاه بالفيــل هو الأجــل

وكان لـــعبي كل د ست بقبلــــة         أقبــــل ثغرا كالـــهلال إذا أطـــــــــــــل

ثم تعددت الدراسات التي تثبت وجود اللفظ الأجنبي في النص القرآني إلى جانب ألفاظ لغات القبائل العربية على اختلافها …

وجاءت بعد ذلك القواميس المشيرة إلى أصول المفردات والمداخل ومنها القاموس المحيط للفيروزابادي لتثبت حقيقة الاقتراض واعتباره مسألة أساسية من مسأئل المعجم عند العرب. بل إن أقدم كتب اللغة قد أفرد لهذه المسألة عناصر وأبواب . ففي كتاب سيبويه ـ  ت 177ه/ 792م باب بعنوان ” ما أعرب من الأعجمية ” وكذلك في صحاح الجوهري ت 393ه وحدد السيوطي في ” المزهر في علوم اللغة وأنواعها” ” المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب ” وقبله وضع ابن دريد ت 321ه /933م في ” الجمهرة.. ” باب ” ما تكلمت به العرب من كلام العجم حتى صار كاللغة “, وفي الخصائص لابن جني ت 392ه /1002م باب : “ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب “و ضبط الجواليقي ت 450ه /1145م “المعرب من كلام الأعجمي على حروف المعجم ” ووضع الخفاجي ت 1069ه /1658م ” شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل ” …

ويتضح من خلال العناوين والعبارات السابقة مدى وعي اللغويين العرب بالمسألة وأهميتها ما حدا بهم إلى إعطائها حقها من الاهتمام وبنفس المصطلحات التي نستعمل الآن  تقريبا  كالدخيل والمعرب ….

وكان العديد من هذه المؤلفات أيضا مجالا للبحث في العصر الحديث تتبع فيه الباحثون دقائق المسألة وأبعادها مستندين أحيانا إلى منهج الإحصاء لتحديد الألفاظ المعنية وبيان درجة اطرادها ونسبتها في المعجم العربي . ومنها البحث الذي أنجزته الطالبة سمر الغانمي على ” القاموس المحيط ” وبينت فيه أن عدد الألفاظ الأجنبية فيه 464 كلمة تتوزع على 20 مجال استعمال بنسب متفاوتتة تتراوح بين 13 و21 بالمائة إذ كان في مجال الطبيعة 59 لفظا ومجال العائلة كلمة واحدة …

واستنتج الباحثون من هذه الدراسات “أن اللغة العربية لغة حية خاضعة لناموس التطور لما بينها وبين بقية لغات العالم من صلات تأثير وتأثر كما أنها قادرة على الاستجابة لمقتضيات الحياة اليومية … وإلى تنمية الزاد اللغوي لدى العرب حتى يتمكنوا من التعبير عن محيطهم ومشاهداتهم اليومية . فليس هناك حضارة عذراء أو أمة نقية طاهرة . وليست اللغة العربية إلا كائنا حيا تتغير وتتفاعل باستمرار كنتيجة حتمية لاستيعاب كل ما هو جديد وللحفاظ على بقائها الذي يبقى المشروع الأول الذي تتفرع منه المشاريع الأخرى .” 9

ولا يعني ما تقدم أن اللسان العربي هو دائما لسان مستهلك يقترض من سواه ما يحتاجه من ألفاظ فتكون دخيلا أو معربا، وإنما هو كذلك قد أمد العديد من ألسنة العالم بالمئات من الألفاظ زمن امتداد الحضارة العربية الاسلامية وعلومها ولا تزال رسوم تلك الألفاظ بادية فيها. وقد يكون بحث فاطمة لخضر ” الألفاظ الفرنسية ذات الأصول العربية ” من أحدثها وقد أحصت فيه 800 كلمة فرنسية من أصل عربي وضعت بها معجما وأسندته ببحث علمي شامل وحديث …

والحاصل مما تقدم هو الإقرار بأن ّ الاقتراض اللغوي ظاهرة طبيعية في كل اللغات الحية ودليل على حيوية اللغة وقدرتها على التفاعل مع غيرها تأثيرا وتأثرا . وقد اقترضت العربية من غيرها العديد من الألفاظ وذلك لمرونتها وقابلية بنيتها للتفاعل، إذ هي قادرة على استيعاب ما يدخلها وإخضاعه لموازينها وأقيستها حتى يصير منها بل إنها قد تقبل الدخيل ما لم يخلّ بقواعدها وبناها الصرفية والتركيبية . وقد أقر اللغويون ذلك وقسموه إلى معرب ودخيل وإن اختلفت مواقفهم منه قبولا ورفضا أو احترازا…

3ـ الاتصال :

لا شك في أنّ اتصال الكائن بمعنى تواصل وجوده وكينونته هو على صلة وثيقة بكيفية نشأته وشروطها كما هو رهين بمكوناته وخصائصه وفي البيولوجيا بجيناته التكوينية . ولذا يفرض النظر في مسألة اتصال اللغة ودوامها العودة إلى اصل نشأتها ومبررات وجودها وسبل النماء ومجال الدعم فيها، وكذلك العوامل الفاعلة في مسارها الوجودي للوقوف على موانع زوالها واندثارها لأن كل كائن حي ، وهي كذلك ، قابل بطبعه للموت والاندثار . وتاريخ اللغات يثبت أنها بالآلاف ويدرك  الفناء كل سنة المئات منها.

وقد يكون النظر في علاقة اللغات بالكائنات الحية منطلق البحث في مسألة اتصال أدوات التواصل اي اللغات أو الألسن . وهنا يجد السؤال عن طبيعة طرق التواصل عند الحيوان ومدى استقامة اعتبارها ضروبا من اللغة مبرره . وقد يكون سؤال: هل للحيوان لغة ؟ الذي طرحه بنفنيست المنطلق لذلك . وقد أجاب هذا العالم اللساني عن ذلك بالقول ” إنّ مجمل الملاحظات لتبرز الفارق الجوهري بين أساليب التواصل المكتشفة لدى النحل وبين لغتنا ويتلخص هذا الفارق في العبارة التي لا نرى عبارة أكثر ملاءمة منها لتعريف نمط التواصل الذي يستخدمه النحل : فهو ليس لغة وإنما شفرة إشارات ،وعن ذلك تترتب كل الخصائص : ثبات المحتوى ، عدم قابلية الرسالة للتغيير،الإحالة إلى سياق واحد ، عدم قابلية التفكيك ، النقل أحادي الجانب…”11 .

ولئن بيّن هذا النص ، من الوجهة اللسانية ، أنّ وسائل الاتصال عند النحل لا يمكن ان تعد لغات بمبررات لسانية صرف ، فإنه يثبت أنّ كل تواصل بين أفراد الجنس يقتضي أداة والأداة عند الانسان هي اللغة لأنّ الإنسان خلق محتاجا للغة بفطرته و ” الألفاظ إنما هي سمات دالاّت على المعاني التي في أفكار النفوس وضعت بين الناس ليعبر كل إنسان عما في نفسه من المعاني لغيره من الناس عند الخطاب والسؤال…

واعلم أنه لو أمكن الناس أن يفهم بعضهم من بعض المعاني التي في أفكار نفوسهم من غير عبارة اللسان لما احتاجوا إلى الأقاويل التي هي أصوات مسموعة لأن في استماعها واستفهامها كلفة على النفوس … فمن أجل هذا احتيج إلى المنطق اللفظي وتعليمه..”12

وكان الجاحظ أكثر دقة ووضوحا من إخوان الصفاء حين ربط الحاجة وحتى القدرة على تعلم اللغة بفرط الحاجة إليها  فقال :” إنّ من أعون الأسباب على تعلم اللغة هو فرط الحاجة إلى ذلك وعلى قدر الضرورة إليها في المعاملة يكون البلوغ فيها والتقصير عنها..”13

أما التوحيدي وابن مسكويه فلئن أكدا دور الحاجة في ابتداع اللغة حرصا على التواصل إلى مبررات نشأة الكلام بدلا من الإشارة إلى ما يحتاج إليه من الأشياء إذ قالا :” إنّ السبب الذي احتيج من أجله إلى الكلام هو أنّ الإنسان الواحد لما كان غيرمكتف بنفسه في حياته …احتاج إلى استدعاء ضروراته من مادة بقائه من غيره …وهذه المعاونات والضرورات المقتسمة بين الناس التي بها يصح بقاؤهم وتتم حياتهم وتحسن معايشهم هي أشخاص وأعيان من أمور مختلفة … وهي كثيرة غير متناهية وربما كانت حاضرة فصحت الإشارة إليها وربما كانت غائبة فلم تكف الإشارة فيها فلم يكن بد من أن يفزع إلى حركات بأصوات دالة على هذه المعاني بالاصطلاح ليستدعيها بعض الناس من بعض وليعاون بعضهم بعضا فيتم لهم البقاء وتكمل فيهم الحياة البشرية .”14

وكان الفارابي أقرب غلى البحث العلمي اللساني الدقيق في تتبعه الكيفية التي تشكلت بها الألسن وسبل التواصل من الإشارة حتى الكلمة ،لأنّ الإنسان في نظره ” إذا احتاج أن يعرف غيره ما في ضميره أو مقصوده بضميره استعمل الإشارة أولا في الدلالة على ما كان يريد ممن يلتمس تفهيمه إذا كان من يلتمس تفهيمه بحيث يبصر إشارته ثم استعمل بعد ذلك التصويت وأول التصويتات النداء … ثم من بعد ذلك يستعمل تصويتات مختلفة يدل بواحد منها على واحد واحد مما يدل عليه بالإشارة إليه وإلى محسوساته …فإنّ تلك التصويتات هي الحروف المعجمة …

ولأنّ هذه الحروف إذا جعلوها علامات أولا كانت محدودة العدد لم تف بالدلالة على جميع ما يتفق أن يكون في ضمائرهم فيضطرون إلى تركيب بعضها إلى بعض بموالاة حرف حرف فتحصل في ألفاظ من حرفين أو حروف فيستعملونها علامات أيضا لأشياء أخر…فتحدث تصويتات كثيرة مختلفة بعضها علامات لمحسوسات وهي ألقاب وبعضها دالة على معقولات كلية لها أشخاص محسوسة…” 15.

ولقد أوجز إخوان الصفاء المسيرة كلها ونقلوا الكلام من المنطوق إلى المكتوب وتجاوزوا الحرف إلى اللفظ وعلاقته بالفكر إلى الكلمة فالقول ثم الجنس القولي. فالأمر عندهم ” أنّ الحروف الخطية إنما وضعت سمات ليستدل بها على الحروف الفكرية والحروف الفكرية هي الأصل …واعلم أنّ الحروف إذا ألفت صارت الفاظا، والألفاظ إذا ضمنت المعاني صارت أسماء ،والأسماء إذا ترادفت صارت كلاما والكلمات إذا اتسقت صارت أقاويل والأقاويل نوعان : موزون ومنثور…”16.

وبعد هذا الوضوح والتقرير في مسألة نشأة اللغة وضرورتها وسيرورة انبنائها، لم يبق أمام الدارسين المحدثين إلا اتخاذ هذه الظواهر موضوعا للبحث من جوانب غير تلك التي تم حسمها فوقف عالم اللسان بنفنيست على أنها كيان ذو وجهين باعتبارها أقصى درجات الترميز ” وملكة الترميز عند الإنسان تبلغ أقصى تحققها في اللغة التي هي التعبير الرمزي بامتياز ، وكل أنظمة التواصل الأخرى الخطية والحركية والبصرية ..الخ تتفرع عنها وتفترضها مسبقا . لكنّ اللغة نظام رمزي خاص منتظم على صعيدين . فهي من جهة واقعة فيزيائية إذ أنها تستخدم الجهاز الصوتي لتظهر والجهاز السمعي لتدرك . ومن هذا الجانب المادي فهي قابلة للملاحظة والوصف والتسجيل ، وهي من جهة أخرى بنية لامادية وإيصال لمدلولات معوضة للأحداث والتجارب بالإشارة إليها …تلك هي اللغة كيان ذو وجهين .”12

ولما تناول هيدغر اللغة من الوجهة الفلسفية اعتبرها أخطر النعم لما لها من صلة بإنسانية الإنسان وأثر فيه ، فهي عنده ” أخطر الأخطار جميعا لأنها هي التي تبدأ بخلق إمكانية الخطر والخطر هو التهديد الذي يحمله الموجود للموجود وبفضل اللغة يجد الإنسان نفسه معرضا بوجه عام للمنكشف ـ reveleـ وهذا المنكشف باعتباره موجودا يحاصر الإنسان ويشغله في آنيته ،وباعتباره لا موجودا يسيء إليه ينجيه من السوء…

ولكن بأي معنى تكون هذه النعمة التي هي أخطر النعم ” نعمة ” للإنسان ؟ إنّ اللغة ملك له وهو يتصرف فيها وفق مشيئته للتعبير عن تجاربه وقراراته وعواطفه ، واللغة تستخدم للفهم. وبوصفها أداة قادرة على أداء هذه الوظيفة تعد ” نعمة .” 18

إن المواقف السابقة تتعلق كلها باللغة بمفهومها العام أي بما هي إنتاج فكري بيولوجي يحدثه الإنسان ضرورة للتعبير عن أحاسيسه ومطالبه في مخاطبته لغيره الذي لا بد له من التواصل معه . غير أنّ الناس أمم وشعوب لا يتكلمون جميعا نفس الرمز للتواصل بل لكل فئة منهم لغتها التي هي لسانها الخاص بها تتعلمه وتعلمه وقد تتعلم لغة سواها إن احتاجت إليه …

ولما كان ذلك كذلك أصبح من الطبيعي أن يهتم كل أهل لسان بالنظر فيه والحرص على وضعه الموضع الذي يريدونه له والبحث في خصائصه ومصيره وما يتهدده من مخاطر وكيفية حمايته أولا والعمل على تنميته وجعله ،ثانيا، قابلا للاتصال والحياة ليكون مواكبا لما يشهده كل عصر من تطور فكري وعلمي …

ولم يكن اللسان العربي استثناء من ذلك خاصة أن تاريخه قد التبس بجلاء بالمجال الديني وما يستدعيه من تقديس وزعم بالتفوق والتميز ، فكان أن قال كثيرون بأفضليته حتى جعله البعض اللسان الأول والأساس للألسنة جميعها لأنه ، عندهم ، هو الذي تعلم به آدم الأسماء كلها . غير أنّ ذلك لم يمنع عددا من علماء العرب المسلمين ذاتهم وبالاستناد إلى النص ذاته من التخلص من أثر العاطفة والتحلي بموضوعية العلم ، ومنهم ابن حزم الذي رأى أنه ” قد توهم قوم في لغتهم أنها أفضل اللغات ، وهذا لا معنى له لأنّ وجوه الفضل معروفة . وإنما هي بعمل او اختصاص ولا عمل للغة ولا جاء نص في تفضيل لغة على لغة. وقد قال تعالى ” وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ” … وقد غلط في ذلك جالينوس فقال إنّ لغة اليونانيين أفضل اللغات لأنّ سائر اللغات إنما هي تشبه إما نباح الكلب أو نقيق الضفادع . قال علي  وهذا جهل شديد لأنّ كل سامع لغة ليست لغته ولا يفهمها فهي عنده في النصاب الذي ذكر جالينوس ولا فرق .

وقد قال قوم : العربية أفضل اللغات لأنه بها نزل كلام الله تعالى .

قال علي : وهذا لا معنى له لأنّ الله عز وجل قد أخبرنا أنه لم يرسل رسولا إلا بلسان قومه … فبكل لغة قد نزل كلام الله تعالى ووحيه . وقد أنزل التوراة والإنجيل والزبور وكلم موسى عليه السلام بالعبرانية وأنزل الصحف على إبراهيم عليه السلام بالسريانية فتساوت اللغات في هذا تساويا واحدا.” 19.

وقبل ذلك كان الجاحظ قد حكم بأنّ كل إنسان فصيح بلسانه ، ما يعني أنّ الفصاحة ليست صفة لقوم دون قوم ولا لسان دون سواه لأنّ الإنسان فصيح وإن عبّر عن نفسه بالفارسية أو بالهندية أو بالرومية . وليس العربي أسوأ فهما لطمطمة الرومي من الرومي لبيان لسان العربي .فكل إنسان من هذا الوجه يقال له فصيح . فإذا قالوا : فصيح وأعجم فهذا هو التأويل في قولهم أعجم . وإذا قالوا : العرب والعجم ولم يلفظوا بفصيح وأعجم فليس هذا المعنى يريدون ، وإنما يعنون أنه لا يتكلم بالعربية وأنّ العرب لاتفهم عنه .” 20 .

ويقتضي النظر العلمي الدقيق والمجدي ،بدل أن يكون الاهتمام بهذه القضايا النظرية العاطفية الموهومة أحيانا والانحياز الوجداني المهلك غالبا ، أن يقف العقل والتدبير عند واقع اللسان العربي بين أهله الآن وتصفح أحواله والبحث فيما عساه يضعه في المحل الذي هو جدير به … فالعربية هي الآن ضمن اللغات العشر الأوائل في العالم اعتبارا لمساحة انتشارها وعدد المتكلمين بها .وهي من الوجهة اللسانية من اللغات المرشحة للبقاء والاستمرار . غير أنّ ذلك لا يكفي لأن يطمئن أهلها ويركنوا إلى عدم الفعل استنادا إلى قوة الدفاع الذاتية فيها . فالعصر عصر صراع في جميع المجالات ومنها اللغوي طبعا . والثقافات والحضارات في حالة تدافع واحتراب بيّن وجلي ، وراهن العربية عندنا يثبت أنّ مخاطر جمة تتهددها وتنذر بانهيارها بل بزوالها إن لم تقع المقاومة العلمية بالسبل الناجعة والأسلحة النافذة . فعلى امتداد الوطن العربي نشهد تناقضا غريبا بين النصوص الدستورية واللوائح القانونية وحقيقة الاستعمال الفعلي ، واللغة استعمال بالأساس لا مجرد قيمة أو فكرة تكفي النصوص للدلالة عليها والإيمان بها لدوامها.

فكل الأقطار العربية تضع في مقدمات دساتيرها وموادها الأساسية العربية لغة وطنية لابد من الحفاظ عليها ورعايتها والعمل على صيانتها ودعمها وحمايتها والنهوض بها 21.

غير أنّ الإنسان لا يجد لتلك الفصول والمواد أثرا في الواقع المعيش والمحيط الحاضن ، إذ يطغى هنا التعدد اللغوي وتهيمن الازدواجية العلمية وتنتشر اللهجات والعاميات ولغات بعض الأقليات أحيانا في الاستعمال اليومي والإعلام العمومي والخاص وحتى في التعليم ومراكز العلم في جميع مستوياتها . فالتعليم ذاته بدأت تنخره تلك المساوئ وتتسرب إليه بعض تلك الآفات بسبب تخلف طرق التدريس ومزاحمة اللغات الأجنبية أداة لتدريس أهم المواد العلمية وأكبرها اثرا في مستوى الطلاب وثقافتهم وشهاداتهم … ويكاد يكون ذلك هو الواقع العام …

وما دام لابد أن يكون الدواء من جنس الداء وقبيله المناسب ليتم العلاج ، نرى أنه لا مندوحة عن مراجعة السياسات العربية العامة المتصلة باللغة والعمل على تطبيق الدساتير والنصوص القانونية بعد مراجعتها وتطويرها لتكون أكثر إلزامية وفاعلية . ولا بد كذلك من أن ينعكس ذلك في كل مجالات الفعل والممارسة كالاستعمال اليومي ولافتات الإشهار والتوجيه والإعلام بمختلف أوجهه وقنواته وضروبه .ومن الواجب أيضا مراجعة السياسات التعليمية وإيلائها ما تستحق من تطوير مادي وبيداغوجي في مواد تدريس اللغة ومناهجها أولا وتدريس العلوم جميعها بها ثانيا ودفع النشء وتشجيعهم على القراءة والإنتاج بلغتهم الأم قبل سواها . ومن الضروري كذلك الاهتمام بمكتسبات العلم جميعها وتطويعها لخدمة العربية وعلى رأسها التقانة والرقمنة ومجالات الشابكة والتواصل العلمي والاجتماعي … وإعادة الاعتبار لمن يتقن العربية باعتمادها شرطا أساسيا من شروط التوظيف والتشغيل …

لا يعدو ما تقدم أن يكون إجمالا سريعا لما يجب أن يضطلع به أهل اللغة تجاه لغتهم إذا تمت القناعة بخطورة اللغة وخطر ضياعها في آن .إنّ مصير اللغة رهين بمنزلتها عندهم ومستقبلها مشروط بفعلهم بها وفيها . وهذا الاقتران والتلازم والارتهان قد أدركه المفكرون من أسلافنا منذ زمن بعيد فقال ابن حزم :” وقد قال قوم : إن ّ اليونانية أبسط اللغات ولعل هذا إنما هو الآن فإن اللغة يسقط ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم . فإنما يفيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها وفراغهم . وما إن تلفت دولتهم وغلب عليهم عدوّهم واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمون منهم موت الخاطر. وربما كان ذلك سببا لذهاب دولتهم ونسيان أنسابهم وأخبارهم وبيود علومهم . هذا موجود بالمشاهدة ومعلوم بالعقل ضرورة ” 22.

وإني لأرى الرجل يتكلم وكأنه يحيا بيننا ويصور حالنا ويرسم واقع لغتنا الآن وينذرنا بما ينتظرنا وينتظرها …

ولم يكن ابن خلدون بعيدا من ذاك حين قال :” اعلم انّ لغات  أهل الأمصار إنما تكون بلسان الأمة والجيل الغالبين عليها أو المختطفين لها . ولذلك كانت الأمصار الإسلامية كلها بالمشرق والمغرب لهذا العهد عربية وإن كان اللسان العربي المضري قد فسدت ملكته وتغير إعرابه والسبب في ذلك ما وقع للدولة الإسلامية من الغلب على الأمم . ” 23

الخاتمة :

إنّ اللغة ، أية لغة ، من عناوين إنسانية الإنسان الأساسية بها يكتمل كيانه ويصطبغ حاضره ويحدد مستقبله وهي أيضا لا تقوم إلا به ومستقبلها رهين بموقعه وموقفه منها . فهي عنوان الهوية وشرط الاستقلال وأداة التنمية وضمان البقاء غير أنها لاتكون كذلك إلا متى تم الوعي بأهميتها وإعداد وسائل حمايتها وشروط تنميتها بما يواكب العصر وحاجاته وأدواته الممكنة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش :

1ـ ابن حزم :الإحكام في أصول الأحكام ،مطبعة الإمام ، مصر ، ج1 ص 32.

2ـ ابن جني :الخصائص ، تحقيق محمد علي النجار، ج1 ص 40 .

3ـ ابن حزم : الإحكام في أصول الأحكام ….ص30.

4 ـ الخصائص …ج1  ص 22.

5 ـ فخر الدين الرازي : مفاتيح الغيب ، ج1، ص44.

6 ـ أبو حامد الغزالي : المستصفى من علم الأصول ، ج1 ص 145.

7 ـ دليل مرجعي في إنشاء قاعدة الألكسو لبيانات اللغة العربية ، نشر المنظمة العربية للتربية والثفافة والعلوم ، تونس 2014.

8 ـ سمر الغانمي : المعرب والدخيل : مجالات استعماله ومنهج معالجته “القاموس المحيط “للفيروزابادي نموذجا ، بحث ماجستير ، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية ، تونس 2013.

9 ـ انظر مثلا : مسعود بوبو ، أثر الدخيل على العربية الفصحى في عصرالاحتجاج ط1    ،منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، 1982.

10 ـ   FATMA Lakhdar,  Les mots arabes dans la langue francaise, origines et mutations,Ed.latrach,tunis  2015.

11ـ بنفنيست ـ benveniste  مسائل من الألسنية العامة ،ت،محمد سبيلا وعبد السلام بن عبد العالي ، دار توبقال ص48.

12ـ إخوان الصفاء: رسائل إخوان الصفاء ج1 ،ص 398.

13 ـ الجاحظ ، أبو عثمان : الحيوان ،ج5 ص 289.

14 ـ التوحيدي وابن مسكويه :الهوامل والشوامل ، القاهرة 1951 ص 6 ـ7.

15ـ الفارابي :كتاب الحروف ، تحقيق محسن مهدي ، دار المشرق بيروت 1970 ص 135.

16 ـ إخوان الصفاء : رسائل إخوان الصفاء ج 1، ص 390…

17 ـ بنفينيست ، مسائل من الألسنية العامة ، ًص 28.

18 ـ هيدغير، هيلدرلن وماهية الشعر ،ت . فؤاد كامل ومحمود رجب ، القاهرة 1974 ص144.

19 ـ ابن حزم : الإحكام في أصول الأحكام ، ج1 ص32.

20 ـ الجاحظ : الحيوان ج1 ص 32.

21 ـ انظر مثلا ” دستور الجمهورية التونسية 2014 ،الباب الأول الفصل 1 والفصل 39 “وقس على ذلك.

22 ـ ابن حزم : الإحكام في أصول الأحكام مطبعة اللإمام، مصر ج 1 ص31

23 ـ ابن خلدون : المقدمة ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ص 379.