قانون حماية اللّغة

     اليوم العالمي للغة العربية

18 ديسمبر 2016

بــــيــــا ن  تــــــونـــــس

للإمضاء

 إنّ النّاظر المدقّق في شأن اللّغة العربيّة، تاريخها وواقعها ومستقبلها بين أهلها ، ليجد نفسه أمام مفارقة عجيبة غريبة. فقد أصبح التّذكير بالمجد التليد وما فيه من بعد ديني وأدبي ولساني وحضاري عامّة من نافلة القول أو من قبيل التّغنّي غير المجدي وربّما المهلك إن وقع الاطمئنان إليه والرّكون عنده .

  أمّا واقع هذه اللّغة فهو الذّي نراه جديرا بالتّدبّر وحريّا بالفعل لأنّه مجال المفارقة المشار إليها آنفا بكلّ وضوح .

  فاللّغة العربيّة اليوم في المستوى العالمي تقع ضمن اللّغات العشر الأوائل في العالم اعتبارا لمساحة انتشارها وعدد المتكلّمين بها. إنّها ،حسب أحدث الدّراسات، في المرتبة الرّابعة عالميّا من حيث الانتشار، وتبلغ نسبة المتحدّثين بها 6,6 بالمائة . وقد تمّ اعتمادها رسميّا سنة 1974 لغة رسميّة سادسة في منظّمة الأمم المتّحدة . وهي أيضا في المرتبة الرّابعة من حيث العدد الكليّ للمتكلّمين بها ، وعددهم في حدود 480 مليونا . وهي أيضا في المرتبة الخامسة من سلّم اللّغات الأكثر استخداما في العالم .

  وفي المستوى العربي عامّة تثبت الوثائق والمؤتمرات والأنشطة أن العربيّة تحظى بأهميّة لاشكّ فيها . فهي في تونس، كما في كلّ الأقطار العربيّة ، تحتلّ المادّة الأولى من الدستور بنسختيه القديمة والجديدة ونصّها ” تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها والعربيّة لغتها والجمهورية نظامها”. وكان أول قرارات توحيد المنظومة التّعليميّة سنة 1958 ينصّ صراحة على العمل لتعريب التّعليم بمختلف مراحله في ظرف 10 سنوات . وبعد 7 نوفمبر 1987 وُضع ما سُمّي بـ “الميثاق الوطنيّ” الذي وقّعت عليه جلّ الأطراف السّياسيّة الفاعلة في البلاد آنذاك. وينصّ صراحة  على” أنّ هويّة شعبنا عربيّة إسلاميّة متميّزة ” وورد فيه بالنّصّ ” وتبعا لذلك كان الإقرار بأن المجموعة الوطنيّة مدعوّة لدعم اللّغة العربيّة حتّى تكون لغة التّعامل والإدارة والتّعليم ” . ثم وقع التأكيد في آخره على” أنّ التعريب مطلب حضاريّ متأكّد …ويتحتّم السّعي إلى تطوير اللّغة الوطنيّة والارتقاء بها حتّى تنهض بكفاية واقتدار بقضايا العلم والتّكنولوجيا والفكر المعاصر خلقا وإبداعا “ .

  وفي 5 جويلية 1993 صدر قانون يجعل الصّيغة العربيّة للنّصوص القانونيّة والتّرتيبيّة المرجع الوحيد عند كل تنازع في الشّرح والتّأويل وينصّ على تعميم استعمال اللّغة العربيّة في الإدارة والمحيط العام ، وعلى إدراج العناية باللّغة العربيّة ضمن مخطّط تأهيل الإدارة، وعلى تحجير استعمال أيّ لغة أجنبيّة في المراسلات الموجّهة إلى التّونسيّين . وسنة 1994 أصدرت الوزارة الأولى أوامرها إلى مختلف الإدارات بتطبيق ذلك القانون وتوصيات للأجهزة الإعلاميّة بتنقية لغة التّخاطب والمحاورة والتنشيط من الألفاظ الأجنبيّة.

  لقد كانت تلك هي الحالة على المستوى القانوني النّظري ، أمّا واقع حال اللّغة العربيّة في جميع مستويات استعمالها وأوجه التّعامل معها وبها فهو واقع مريض وشاذّ يتنافى وأحكام الدستور والقوانين والأوامر آنفة الذّكر ويهدّد الهويّة ويُعيق كل مسار للتطوّر والنّهوض الوطنيّ والقوميّ .  

 وتتجلّى أعراض هذا الواقع المؤلم في مختلف الميادين : التّعليم والإعلام والاستعمال العام والإداري والمحيط الحضري . فالتعليم يشهد في جميع مستوياته ضعفا فادحا في الممارسة اللّغويّة تخاطبا وإنتاجا عند المتعلّمين وبعض المعلّمين ، ومازالت المواد العلميّة تُدرس فيه باللّغة الفرنسيّة ويَعتمد المجال الإعلاميّ بمختلف محامله وأنواعه لغة هجينة ملوثّة لا تمتّ إلى العربيّة بصلة حتى في القنوات العموميّة. ولغة الشّارع التّونسيّ في المدن خاصّة يصعب إدراجها ضمن الخطاب العربيّ. وأصبح المحيط الحضريّ على هيئة يصعب معها الإحساس بالسّير في شوارع بلد عربيّ إذا اعتبرت لافتات المحلّات ومعلّقات الإشهار والإعلان …

  إنّ هذا الواقع، بطرفيه القانونيّ والإجرائيّ ، يتطلّب الإسراع ببذل الجهود الضّروريّة اللّازمة من قِبل كلّ المعنيّين والمسؤولين لإصلاحه …

  ويتطلّب الإصلاح سياسة تعليميّة بديلة ، تعطي اللّغة الوطنيّة أهميّتها والمنزلة التّي تستحقها في تدريس المواد المقرّرة والضّوارب المعتبرة وفي تصوّر المناهج والوسائل البيداغوجيّة وإعداد المدرّسين .

  ويقتضي واقع الإعلام إعادة نظر وإحكام تنظيم يشمل تكوين الإعلاميّين ووضع مواثيق تحرير فاعلة وملزمة وزاجرة .

ويقتضي الاستعمال العامّ حملات توعية هدفها مصالحة المواطن ولغته وبيان خطر التّفريط في اللّغة الوطنيّة في جميع المستويات . وهذه مسؤوليّة مشتركة بين السّلطة وأدواتها والأولياء وسلطتهم والإعلام بأهميّة تأثيره ومنظّمات المجتمع المدنيّ بتواصلها وانتشارها .  

 غير أن النجاح في هذه المساعي جميعها يبقى، في نظرنا، رهينا أوّلا بالإرادة السّياسيّة المستقلّة عن كلّ تأثير أو تدخّل أجنبيّ في سياستنا التّربويّة واللّغويّة والّتي ينبغي أن تتجسّد في دسترة المؤسّسات والهياكل وإصدار القوانين والأوامر والسّهر على تطبيعها بالصّرامة المطلوبة المستندة إلى قوانين نافذة وزاجرة. ولا يمكن أن يتمّ ذلك، في اعتقادنا، إلّا بدسترة “المجلس الأعلى للغة العربية” . وهو مطلب كانت قد تقدّمت به  “جمعية تنمية اللّغة العربيّة وحمابتها ” إلى المجلس الوطني التأسيسي أولا وإلى مجلس نواب الشعب ثانيا، وتعزّز ذلك بمطلب من ” ائتلاف جمعيات اللغة العربية” ثالثا.

   وبناء على ما تقدّم ونظرا إلى ما آل إليه واقع اللّغة العربيّة  من تردّ يزداد  يوما  بعد يوم تدعو الجمعيّات المذكورة والمتضامنون معها من المعنيين بشأن العربيّة هياكل وشخصيّات إلى تحقيق المطالب التالية :

  1.  إعادة الاعتبار للّغة العربيّة وإلى منزلتها في التّخاطب والدّعاية والتّعليم وإنتاج المعرفة وذلك بتفعيل جميع فصول الدّستور والقوانين والأوامر المتعلّقة بها   
  2. وضع قانون لحماية اللّغة العربيّة والدّفاع عنها “على غرار ما يوجد في العديد من الدّول العربيّة والأجنبيّة مثل العراق والأردن وفرنسا…
  3. دسترة  المجلس الأعلى للّغة العربيّة.

ساهموا بإمضاءاتكم