نور السالك: الاتجاه الصوفي في الشعر الحديث

أصدرت الباحثة الشابة إيناس مفتاح كتابا بعنوان “نور السالك : الاتجاه الصوفي في الشعر الحديث” عن دار زينب للنشر .

تقول الكاتبة:

لقد تمكنّا بعد هذا البحث في الاتجاه الصوفي في الشعر التونسي الحديث من الوقوف على أهمّ مراحل نشوئه وتطوّره التي جعلت منه إتّجاها شعريا يستحق أن يكوّن بمفرده حقبة من حقب الشعر التونسي و مرحلة مهمة من مراحله.

و لو أردنا أن نجمع القول لنقدّم النتائج التي توصل إليها البحث لأمكننا القول إنّ:

أوّلا: الاتجاه الصوفي في الشعر التونسي لم يأت من عدم،بل كانت هناك أرضية ساهمت في نشأته رافقتها ملابسات كانت سببا في إثراء الساحة الأدبية و الفكرية في تلك الفترة.فقد اغتنت المجالس الأدبية و الجرائد والمجلات و السجالات الكلامية بالصراع القائم بين أصحاب الاتجاه الصوفي و  شعراء الطليعة حيث طالبت الطليعة بالإقليمية الضيّقة و رفض كل موروث قصد بلوغ أعلى مراتب الحداثة و نادت بتونسة الشعر التونسي و كان أصحاب الاتجاه الصوفي لا يرون في أنّ الحداثة تكمن في رفض الماضي و التنكّر له و بل في فهمه واستعابه و منه ننطلق إلى واقع أرحب و نبحث عن القصيدة الكونية التي تنطلق من المحدود إلى اللامحدود؛و قد احتدّ السجال خاصة بين كل من “محمد الغزي” و “المنصف الوهايبي” من شعراء الاتجاه الصوفي و المؤسسين له و بين “الطاهر الهمامي” من شعراء الطليعة و المؤسسين لها حتى و صل إلى حدّ الاتهامات و السبّ و الشتم ممّا أخرج هذا السجال من دائرة المعارك الأدبية إلى معارك شخصية و من النقد الموضوعي إلى النقد الذاتي الذي يتنصّل من كل موضوعية.

و إذا أردنا الخروج من دائرة القطر الواحد،نجد أنّ الاتجاه الصوفي في الشعر التونسي الحديث كان متأثّرا بالغرب الذي رأى في الشرق الزخم الروحي الذي ظلّ يبحث عنه طويلا فنبش في تراثنا القديم و خاصة الصوفي منه وكان له السبق في تعرّفنا على بعض الأعلام الشرقيين العرب منهم و غير العرب.و كان تأثّرا أيضا بالأدب العربي مثل “صلاح عبد الصبور” و “خليل حاوي” و “أدونيس” و غيرهم ممن اتّخذوا من التصوّف اتّجاها شعريا منه ينحتون قصائدهم.

ثانيا: شعراء الاتجاه الصوفي قد عادوا إلى تراثهم يحيونه من جديد علّهم يجدون فيه الضالة المرجوّة التي ظلّ الإنسان يبحث عنها أزمانا متتالية فكان التراث العربي و التراث الإنساني بصفة عامة ملجأهم علّه يخرجهم من إحساسهم بالتشيّئ و اللاإنسانية في ظلّ التطوّر العلمي والحروب الأهلية و السياسية و العرقية التي تفشّت في واقع انتفت فيه قيمة الحب المثلى التي أراد شعراء الاتجاه الصوفي ارساءها في هذا العالم المليء بالشرور.

ثالثا: شعراء الاتجاه الصوفي بعودتهم إلى التراث الصوفي خاصة،كانوا قد تأثّروا به فوظّفوا المعجم الخاص به من مصطلحات و أسماء أعلام و رموز و صور شعرية و لكن دون التقليد و المماهاة مع النص الغائب،بل كان حضور التراث الصوفي حضورا للإثراء و التنويع و ولوج عوالم الإنسان الأوّل؛لذلك لمحنا الاختلاف الواضح في حضور بعض الرموز حيث أخذوا المناخ العام لظهورها في الشعر الصوفي القديم و أدخلوها في نسيج نصّهم مع التغيير و التطوير. ويمكن أن نذكر هنا رمزية المرأة عند “محمد الغزي” حيث حضرت أحيانا محافظة على سمة التقديس التي عرفت بها في القصيدة الصوفية القديمة و لكنها تحوّلت من المرأة المطلوبة للوصال إلى المرأة الطالبة.

رابعا: شعراء الاتجاه الصوفي احتفوا بالشكل احتفاء شديدا،سواء الشكل الخارجي أو الداخلي و خاصة الشاعر “محمد الخالدي” حيث نجد الاختلاف واضحا بينه و بين شاعري المدوّنة الآخرين و قد صرّح في مناسبات عديدة باهتمامه بالشكل الذي يضاهي اهتمامه بالقصيدة.و قد رأينا أنّ الشكل داخل المدوّنة كان وثيق الصلة بالاتجاه الصوفي فلا شيء يحدث اعتباطا إلا ما ندر.

خامسا: شعراء الاتجاه احتفوا باللغة في قصائدهم احتفاء شديدا حيث نجد حضورها مكثّفا إما بصورة مباشرة عن طريق التصريح أو غير مباشرة عن طريق الشكل.و قد كانت اللغة مرة عصية فكانت “اللغة البيضاء” و “اللغة المتمعدنة” و مرة مطواعا فتكون هي الوسيلة الوحيدة للإخبار عن معمّى الكلام و هي “الوطن الوحيد القابل للسكنى”.و هم في ذلك يذهبون مذهب الصوفيين القدامى إذ كثيرا ما اشتكوا من ضيق اللغة أمام اتساع الرؤيا.

سادسا: مفهموم شعراء الاتجاه للشعر عامة،و للتصوّف و التجربة الشعرية بصفة أعمّ،يحتوي التوافق كما يحتوي الاختلاف.ففي الظاهر تجمعهم رؤية واحدة تنصّ على العودة إلى التراث العربي خاصة و الإنساني عامة و لاسيما الصوفي منه قصد إرساء قصيدة كونية تنتفي فيها كل الحدود و لكنهم قد يختلفون في مفهومهم للشعر و للتجربة الشعرية؛فهناك من يرى فيها تجربة شعرية تقتضي التغيير و هناك من يرى أنّها تجربة وجودية تقتضي الاستمرارية لذلك تجد من يقرّ بامتلاكه لتجربة شعرية و هناك من يقرّ بأنّه لا يفعل غير قول الشعر و لا يملك تجربة شعرية مخصوصة.كما يكمن الاختلاف في التسمية إذ تراوحت بين القصيدة الصوفية و القصيدة الكونية و القصيدة الروحية.

سابعا: شعراء الاتجاه الصوفي يشتركون في البحث عن القصيدة التي ترسي قيمة الحب أو ربّما يتحوّل الحبّ فيها إلى دين يُعْتَنَقُ،لذلك فهم يبحثون في التراث عمّا به يلجون القيمة المثلى و القيمة العليا التي تعبق من فَوْحِ الروح وتعتلي بالذات الإنسانية،في معراج قدسي،من أدران المادة إلى مصافّ الروح.

 

وهي النتيجة التي توصّل إليها البحث و لكن تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الموضوع مازال في حاجة إلى مزيد من البحث باعتبار أنّ الكتابات التي اهتمّت بالاتجاه الصوفي في الشعر التونسي لا نكاد نعثر فيها إلا على مقالات تغلب فيها الحوارات على الدراسة و التحليل.و باعتبار ضخامة المدوّنة أيضا التي لم نستطع في هذا الحيّز،الذي مهما طال لا يزال قصيرا،أن نلمّ بكل حيثيات قصيدة الاتجاه الصوفي    و كل معانيها و رموزها و تشكلاتها و رؤاها المتنوّعة بل حاولنا أن نضع أيدينا على أهمّ ما يميّز قصيدة الاتجاه الصوفي و لعلّنا نستكمل البحث فيها في حيّز آخر.

dsc07686dsc07685dsc07684